علاج الخلافات الزوجية وفق المنهج القرآني

قد ذكر القرآن الكريم في مواضع متفرقة هذه الظاهرة ، و بيَّن مظاهرها، وأوجد طرائق علاجها وحلِّها، وسنكتفي في هذا المقال بالآيتين الكريمتين من سورة النساء (34و35).

يقول الله عزّ وجل: {الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إنَّ الله كان علياً كبيراً* وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إنَّ الله كان عليماً خبيراً} سورة النساء (34و35).

﴿قواَّمون﴾: قوَّام: فعال للمبالغة ،من القيام على الشئ والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالإجتهاد فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية ،فأزواجهن قوَّامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى من المحافظة على فرائضه وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوَّامون عليهن أيضاً بالإنفاق والكسوة والمسكن.

﴿قانتات﴾: القنوت: الطاعة والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإمساك عن الكلام ،  قال ابن عباس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن.

﴿نشوزهن﴾: يقال: نشزت المرأة أو الرجل،أي: استعصـى وأسـاء العشرة، مأخوذ  من النشز،وهو ماارتفع من الأرض فكأنها ارتفعت وتعالت،عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف ،، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له . وأخرج ابن جرير عن السدي: (نشوزهن) قال: بغضهن. وأخرج عن ابن زيد قال: النشوز: معصيته وخلافه .

﴿فعظوهن﴾: وهو التذكير بالله في الترغيب لما عنده من ثواب، والتخويف لما لديه من عقاب، إلى ما يتبع ذلك مما يُعرِّفها به من حُسن الأدب في إجمال العشرة، والوفاء بذمام الصحبة، والقيام بحقوق الطاعة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرّم عليها معصيته؛ لما له عليها من الفضل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها”.وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح”ورواه مسلم، ولفظه: “إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح”.

“هذا هو الإجراء الأول.. الموعظة.. وهذا هو أول واجبات القيِّم ورب الأسرة.. عمل تهذيبي.. مطلوب منه في كل حالة: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}،[سورة التحريم:6].. ولكنه في هذه الحالة بالذات، يتجه اتجاهاً معيناً لهدف معين، هو علاج أعراض النشوز قبل أن تستفحل  ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية فإن انتهت فذلك المطلوب وإلا انتقل للمرحلة التي تليها..

﴿واهجروهن  في المضاجع ﴾: فيهجرها الزوج في المضجع بأن لا يضاجعها ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود،وعن ابن عباس الهجر هو أن لا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره.

﴿فإن أطعنكم ﴾:أي تركن النشوز﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾:أي لاتبغوا عليهن بقول أو فعل.وهذا نهي عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن.

ولكن هذه الخطوة قد لا تفلح كذلك.. فهل تترك المؤسسة تتحطَّم؟ إنَّ هناك إجراء ـ ولو أنه أعنف ـ ولكنه أهون وأصغر من تحطيم المؤسسة كلها بالنشوز..ألا وهو الضرب..

﴿واضربوهن وهناك آداب وضوابط لضرب الناشز:

.. ولكن الضرب هو القدر الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه ، وليس له أن يضرب ضرباً يتوقع منه الهلاك، فإنَّ المقصود الصلاح لا غيره، فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان،وفسَّر المحدثون الضرب غير المبرّح بأنَّه: ضرب غير شديد ولا شاق، ولا يكون الضرب كذلك إلا إذا كان خفيفاً، وبآلة خفيفة، كالسواك ونحوه ،عن سليمان بن عمرو الأحوص، عن أبيه، أنَّه شهد حجَّة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: “استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح” لحديث حكيم بن معاوية، عن أبيه أنَّ رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: “ما حق المرأة على الزوج؟ قال: أن يطعمها إذا طعم وأن يكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يُقبِّح، ولا يهجر إلا في البيت”.

قال أبوداود: أن تقبح: تقول: قبحك الله.

ومن توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للرجال، قوله: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد البعير ثمَّ يجامعها في آخر اليوم”.

قال ابن حجر: (المجامعة والمضاجعة إنما تُستحسن مع ميل النفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالباً ينفر ممَّن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذمّ ذلك، وأنَّه وإن كان ولا بد، فليكن التأديب بالضرب اليسير، بحيث لا يحصل معه النفور التام فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب) ،ذلك حين لا يستعلن النشوز، وإنما تتقى بوادره، فأمَّا إذا كان قد استعلن، فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت، إذ لا قيمة لها إذن ولا ثمرة، وإنَّما هي إذن صراع وحرب بين خصمين ليحطِّم أحدهما رأس الآخر! وهذا ليس المقصود، ولا المطلوب.. وكذلك إذا رأى أنَّ استخدام هذه الإجراءات قد لا يجدي، بل سيزيد الشقة بعداً، والنشوز استعلاناً، ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة. أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة.. في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإسلامي الحكيم بإجراء أخير، لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار، قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار..

﴿حكماً من أهله وحكماً من أهلها “أي :رجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين ويعرفان الجمع والتفريق،وهذا مستفاد من لفظ “حكما”؛ لأنه لا يصلح حكماً إلا من اتصف بتلك الصفات، فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثمَّ يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك منعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه، فإن وصلت الحال إلى أنَّه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله ورأيا أنَّ التفريق بينهما أصلح؛ فرَّقا بينهما. ولا يشترط رضا الزوج كما يدل عليه أنَّ الله سماهما الحكمين، والحكم يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه.